ابن تيمية

226

مجموعة الفتاوى

فِي الْجَمِيعِ حُكْماً وَاحِداً عَامّاً . فَعُلِمَ أَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَ طَائِفَةٍ وَطَائِفَةٍ وَجَعْلَ طَائِفَةٍ لَا تُقِرُّ بِالْجِزْيَةِ وَطَائِفَةٍ تُقِرُّ وَلَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ وَطَائِفَةٍ يُقِرُّونَ وَتُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ : تَفْرِيقٌ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّابِتَةِ عَنْهُ . وَقَدْ عُلِمَ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ الْمُسْتَفِيضِ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ كَانَ فِيهِمْ يَهُودُ كَثِيرٌ مِن العَرَبِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ وَحِمْيَرَ وَغَيْرِهِمَا مِن العَرَبِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ : " { إنَّك تَأْتِي قَوْماً أَهْلَ كِتَابٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَاراً أَوْ عَدْلَهُ معافرياً } وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَنْ دَخَلَ أَبُوهُ قَبْلَ النَّسْخِ أَوْ بَعْدَهُ . وَكَذَلِكَ وَفْدُ نَجْرَانَ وَغَيْرِهِمْ مِن النَّصَارَى الَّذِينَ كَانَ فِيهِمْ عَرَبٌ كَثِيرُونَ أَقَرَّهُمْ بِالْجِزْيَةِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِن العَرَبِ لَمْ يُفَرِّقْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ خُلَفَائِهِ وَأَصْحَابِهِ بَيْن بَعْضِهِمْ وَبَعْضٍ بَلْ قَبِلُوا مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ وَأَبَاحُوا ذَبَائِحَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ . وَكَذَلِكَ نَصَارَى الرُّومِ وَغَيْرُهُمْ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ صِنْفٍ وَصِنْفٍ . وَمَنْ تَدَبَّرَ السِّيرَةَ النَّبَوِيَّةَ عَلِمَ كُلَّ هَذَا بِالضَّرُورَةِ وَعَلِمَ أَنَّ التَّفْرِيقَ قَوْلٌ مُحْدَثٌ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ . " الْوَجْهُ الثَّالِثُ " أَنَّ كَوْنَ الرَّجُلِ مُسْلِماً أَوْ يَهُودِيّاً أَوْ نَصْرَانِيّاً وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ أَسْمَاءِ الدِّينِ هُوَ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِهِ ؛ لِاعْتِقَادِهِ وَإِرَادَتِهِ وَقَوْلِهِ وَعَمَلِهِ ؛ لَا يَلْحَقُهُ هَذَا الِاسْمُ بِمُجَرَّدِ اتِّصَافِ آبَائِهِ بِذَلِكَ ؛ لَكِنَّ الصَّغِيرَ حُكْمُهُ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا حُكْمُ أَبَوَيْهِ ؛ لِكَوْنِهِ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ فَإِذَا بَلَغَ وَتَكَلَّمَ بِالْإِسْلَامِ أَوْ بِالْكُفْرِ كَانَ حُكْمُهُ مُعْتَبَراً بِنَفْسِهِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ فَلَوْ كَانَ أَبَوَاهُ